محمد بن علي الشوكاني

5334

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

يرفع فائدة ذلك ، ويقتضي عدم النفع به ؟ ومعلوم أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أعلم بربه ، وبقضائه وقدره ، وبأزليته وسبق علمه بما يكون في بريته . فلو كان الدعاء منه ومن أمته لا يفيد شيئا ولا ينفع نفعا لم يفعله ، ولا أرشد الناس إليه وأمرهم به ، فإن ذلك نوع من العبث الذي يتنزه عنه كل عاقل فضلا عن خير البشر وسيد ولد آدم . ثم يقال لهم : إذا كان القضاء واقعا لا محالة ، وإنه لا يدفعه شيء من الدعاء والالتجاء والإلحاح والاستغاثة ، فكيف لم يتأدب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - مع ربه ! فإنه قد صح عنه أنه استعاذ بالله - سبحانه - من سوء القضاء كما عرفناك ، وقال : " وقني شر ما قضيت " ( 1 ) . فكيف يقول هؤلاء الغلاة في الجواب عن هذا ! أو على أي محمل يحملونه ! . ثم ليت شعري علام يحملون أمره - سبحانه وتعالى - لعباده بدعائه بقوله : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } ( 2 ) ثم عقب ذلك بقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } ( 3 )

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) [ غافر : 60 ] . قال الشيخ أبو القاسم القشيري في " شرح الأسماء الحسنى " ما ملخصه : جاء الدعاء في القرآن على وجوه منها : أ - العبادة : { وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ } [ يونس : 106 ] . ب - الاستغاثة : { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } [ البقرة : 23 ] . ج - السؤال : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] . د - القول : { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ } [ يونس : 10 ] . ه‍ - النداء : { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } [ الإسراء : 52 ] . و - الثناء : { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ } [ الإسراء : 110 ] . قال الحافظ في " الفتح " ( 11 / 94 ) : هذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض وقالت طائفة الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء . وأجابوا عن الآية بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء العبادة لقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " الدعاء هو العبادة " - تقدم تخريجه . وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادات وقد تواترت الآثار عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالترغيب في الدعاء والحث عليه كحديث أبي هريرة رفعه : " ليس شئ أكرم على الله من الدعاء " أخرجه الترمذي في " السنن " رقم ( 3370 ) وابن حبان في صحيحه رقم ( 870 ) والبخاري في " الأدب المفرد " رقم ( 712 ) والطيالسي ( 1 / 253 ) وأحمد ( 2 / 362 ) وابن ماجة رقم ( 3828 ) - وهو حديث حسن - . ثم قال ( 11 / 95 ) : أما قوله بعد ذلك : { عَنْ عِبَادَتِي } فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة ، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارا ومن فعل ذلك فقد كفر ، وأما من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور ، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة في الحث عليه . قلت : - الحافظ ابن حجر - وقد دلت الآية الآتية قريبا من السورة المذكورة أن الإجابة مشترطة بالإخلاص ، وهو قوله تعالى : { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } قال الطيي : معنى حديث النعمان أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي ، إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له ، وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه ، ولهذا ختم الآية بقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } حيث عبر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان . وحكى القشيري في " الرسالة " ( ص 265 ) : الخلاف في المسألة فقال : اختلف في أي الأمرين أولى : الدعاء أو السكوت والرضا ؟ فقيل : الدعاء وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار وقيل السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل . قلت : وشبهتهم أن الداعي لا يعرف ما قدر له فدعاؤه إن كان على وفق المقدور فهو تحصيل حاصل . وإن كان على خلافه فهو معاندة . والجواب عن الأول أن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار . وعن الثاني أنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان إذعانا لا معاندة . وفائدة الدعاء : تحصيل الثواب بامتثال الأمر ، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء لأن الله خالق الأسباب ومسبباتها . ( 3 ) [ غافر : 60 ] .